الشيخ محمد رشيد رضا

471

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بحر هذه الأوهام . فأما الباطنية فأئمتهم في مذاهبهم زنادقة تعمدوا هدم الاسلام بالشبهات والتأويلات المشككات وأما المتصوفة فقد راج على بعضهم بعض تلك الشبهات والتأويلات لضعفهم في علم الكتاب والسنة . فاستمسكوا بالأحاديث الموضوعة ، وأخذوا بظواهر بعض الأحاديث والآثار الصحيحة . كقول أبي هريرة المروي في صحيح البخاري : حفظت من رسول اللّه ( ص ) وعائين فأما أحدهما فبثثته ، وأما الآخر فلو بثثته قطع مني هذا البلعوم . - يشير إلى عنقه ، لأنه إذا ذبح ينقطع بلعومه وهو مجرى الطعام - فجهلة المتصوفة يزعمون أن ما عندهم من علم الحقيقة هو من قبيل ما في الوعاء الآخر من وعائي أبي هريرة ، وبعضهم يظن أن لشيوخهم سندا في تلقي علم الباطن ينتهي إلى بعض الصحابة أو أئمة آل البيت عليهم الرضوان . والذي عليه المحققون ان أبا هريرة يعني بما كتم من الحديث أحاديث الفتن وما يكون من الفساد في الدين والدنيا على أيدي أغيلمة من سفهاء قريش . وهم بنو أمية . وقد روي عنه انه دعا اللّه تعالى أن ينقذه من سنة ستين وامارة الصبيان . وقد مات سنة سبع وخمسين ، وقيل سنة تسع وخمسين ؛ وفي سنة ستين ولي يزيد ابن معاوية ؛ فعلم أن أبا هريرة كان يستعيذ باللّه من امارته ؛ وقد أعاذه اللّه تعالى فلم ير أيامها السود . وروي عنه انه كان يقول في أغيلمة قريش الذين يفسدون على المسلمين امر دينهم كما ورد في الحديث : لو شئت أن أسميهم بأسمائهم لفعلت . فهذا دليل على أنه سمع كحذيفة بن اليمان أخبار الفتن وأمراء الجور من النبي ( ص ) وكان يكتمها عند وقوعها خوفا من انتقام أولئك الامراء المستبدين المفسدين . واما كتمان شيء من امر الدين فهو محرم بالاجماع وبنصوص الكتاب والسنة ، فكيف يكتمه ؟ . وقد روى البخاري وغيره عنه أنه قال : ان الناس يقولون أكثر أبو هريرة الحديث ، ولولا آيتان في كتاب اللّه تعالى ما حدثت حديثا . ثم يتلو قوله تعالى ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى - إلى قوله تعالى - الرَّحِيمُ ) وقوله ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ ) الخ